الشيخ الطبرسي
694
تفسير جوامع الجامع
يَتَكلَّمُوا بذلك ، ولكنْ عَلِمَ اللهُ ما في قُلُوبِهِم فَأَثْنى بهِ عليهم ( 1 ) . أي : لا نَطلُبُ بهذا الإِطْعامِ مكافَأَةً عاجِلَةً ، ولا أن تَشْكُرُونا عليهِ ، إذْ هو مفْعُولٌ لِوَجْهِ اللهِ ، فَلاَ معنى لمكَافَأَةِ الخَلْقِ ، و " الشُّكُورُ " مَصدَرٌ كالشُّكْرِ ، مثْلُ : الكُفُورِ والكُفْرِ . ( إِنَّا نَخَافُ ) يحتَملُ أن يُرادَ : أنَّ إِحْسانَنَا إليكُم للخَوْفِ من شدَّةِ ذلك اليوم لا للمكافَأَةِ ، وأَن يُرادَ : إنَّا لا نُريدُ منكم المكافَأةَ لِخَوْفِ عقَابِ اللهِ على طَلَبِ المكافَأَةِ بالصَّدَقَةِ ( يَوْماً عَبُوساً ) مثْلُ قَولِكَ : نَهَارُكَ صَائِمٌ ، وَصَفَ اليَوْمَ بِصِفَةِ أَهْلِهِ ، أو : شَبَّهَ اليَوْمَ في شدَّتِهِ بالأَسَدِ العَبُوسِ ( قَمْطَرِيراً ) صَعْباً شَديداً . ( فَوَقَهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَومِ ) أي : كَفَاهُم شَدَائِدَهُ وأَهْوالَهُ ( وَلقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ) أي : أَعْطَاهُم بَدَلَ عُبُوسِ الفُجَّارِ وَحُزْنِهِم نَضْرةً في الوجُوهِ وسُروراً في القُلُوبِ ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ " اليَوْم " موصُوفٌ بِعُبُوسِ أَهْلِهِ . ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ ) أي : وجَزَاهُم بِصَبْرِهِم علَى الإِيْثَارِ وبمَا يُؤَدِّي إليهِ ، من الجُوعِ والعُرْيِ ( جَنَّةً ) فيها مَأْكَلٌ هَنِيءٌ ( وَحَرِيراً ) فيهِ مَلْبَسٌ بَهِيٌّ . ( لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ) يعني : أنَّ هَواءَها معتَدِلٌ لا حَرُّ شَمْس يُحْمِي ولا زَمْهَريرٌ يُؤْذِي . ( وَدَانِيَةً عَليْهِمْ ظِلَلُهَا ) يجُوزُ أن تكُونَ معْطُوفةً على الجُملةِ التي قَبْلَها ، وتكُونَ حالاً مِثْلَها . والتَّقْديرُ : غَيْرَ رائِينَ فيها شَمْساً ولا زَمْهَريراً ودانيةً عَلَيهم ظِلالُهَا ، ودَخَلَتِ الواو للدلالةِ على أنَّ الأَمْرَيْنِ جميعاً لَهُم ، فكأنَّهُ قَالَ : وجَزَاهُم جنَّةً جامِعينَ فيها بينَ البُعدِ عن الحَرِّ والبَرْدِ وَدُنُوِّ الظِّلاَلِ عليهم . ويَجُوزُ أن يكُونَ ( مَتَّكِئِينَ ) و ( لاَ يَرَوْنَ ) و ( دَانِيَةً ) كُلُّها صِفَاتَ الجنَّةِ ، هذا قَوْلُ جَارِ اللهِ ( 2 ) ، وعنْدِي أنَّه لَيْسَ بالوَجْهِ ، لأنَّ اسمَ الفاعِلِ إذا وُصِفَ بهِ وكانَ
--> ( 1 ) رواه عنهما الطبري في تفسيره : ج 12 ص 361 . ( 2 ) في الكشّاف : ج 4 ص 671 .